هدية عراقية من سوريا

ريتشيل بيكلز ويلسون و كريم عثمان حسن

في إحدى زياراته لمدينة حلب في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، اختار رجل اعمال أرمني عراقي هذا “العود” كهدية لأحد زملائه العراقيين في لندن “سعد جادر”. وقد وصلت هذه الآلة بعد فترة قصيرة إلى المملكة المتحدة حيث ظلت هناك حوالي ثلاثة عقود.

Nahat-Kandalaft vertical.JPG

صُنعت هذه الآلة في 1919 على يد “أنطوان نحات” وهو من أشهر صانعي العود في دمشق. ولكن في مرحلة لاحقة تعرض للتلف لدرجة أنه تم استبدال “وجه” العود بوجه جديد لدى أحد صانعي الأعواد في حلب “جميل يورغاكي قندلفت”. مثل “النحات” فقد كان “قندلفت” قد درس وتعلم حرفة صناعة آلات العود ضمن العائلة حيث كان والده “يورغاكي أنطوان” لديه ورشة لصناعة آلات العود في حلب.

وقد أضاف “قندلفت” ملاحظة على قصاصة من الورق داخل آلة العود عندما قام بعملية التصليح كُتب فيها “الوجه من صناعة جميل يورغاكي قندلفت”. وبفضل هذا الأمر يتوفر لدينا الآن عمل مشترك موثّق في هذه الآلة لكل من “النحات” و”قندلفت”. الورقة التي وضعها “ٌقندلفت” لا تحمل تاريخاً، لكن الحالة العامة لوجه العود وتغيّر لون وجه العود يوحيان بأن العمل قد تم القيام به في الخمسينيات من القرن الماضي.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

بالنسبة لـ “سعد جادر” الذي حصل على هذه الآلة كهدية فقد كانت مناسبة مميزة إذ كان معتاداً على العود العراقي حتى حينها، بما في ذلك بعض الآلات المصنوعة في الموصل حيث ولد هناك. ولغاية منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كان قد امتلك عدة آلات من العود صنعها العواد الشهير “محمد فضل” حيث حصل عليها كهدايا من موسيقيين عراقيين مثل “سعدون جابر” الذي كان ينظم له حفلات في لندن. لقد كانت العديد من آلات العود الموجود لديه مصنوعة خصيصاً له، بما في ذلك واحداً تم صنعه بجسم شاحب وكتب عليه اسم “سعد”. كما امتلك آلة من صنع “فوزي منشد” الذي لا يقل شهرة عن الصانعين الآخرين وكان هذا هدية من صديقه “فاروق هلال” وهو مؤلف وموسيقي ورئيس جمعية الموسيقيين العراقيين.

ولكن هذه الهدية السورية كانت مختلفة عن بقية الهدايا.

“لقد أثار إعجابي كثيراً لأنه كان مصنوعاً بشكل أفضل من الأعواد العراقية…. كان متقن الصنع وخفيفاً وصغيراً، يمكنك التحكم به. العود مزين بعروق اللؤلؤ! لم أعتد على رؤية مثل هذا في الآلات العراقية. لقد رأيت آلات عود سورية تحمل هذه الزخارف والزينة، عروق اللؤلؤ! وتفاجأت عندما علمت بأن مشاهير الموسيقيين مثل “فريد” وعبد الوهاب” لديهم آلات مزينة بها. أنا واثق من أنها ستتسبب في خفت الصوت، مع أني لم أعزف على أي منها”.

لقد قام “جميل يورغاكي قندلفت” بصناعة بعض الآلات التي تحتوي على الكثير من الزخارف والزينة – بما في ذلك آلة يقال بأن “فريد الأطرش” كان يعزف عليها، وآلة أخرى عزف عليها “أسعد الشاطر”. ولكن عندما قام بالعمل على تصلحي الآلة التي صنعها “النحات” فقد ركز على عملية الترميم التي تتناسب مع فكرة القطعة الأصلية.

فعلى سبيل المثال، قام بإعادة تدوير واستخدام المكونات الموجودة مثل الفرس والشمسية والقمرات المصنوعة من عظام الجمل والتي تم نشرها وقصها بدقة مذهلة. “الشمسية” الكبيرة مصنوعة من خشب الجوز مع قشرة من العظم عبارة عن دائرة تحتوي على أسماء المقامات المشهورة في الموسيقى العربية (العثمانية) بخط الثلث والنسخ. يبدو في الوسط اسم الصانع “أنطوان النحات” أما “القمرات” المنحوتة بشكل فريد والتي تشمل على أشكال لطيور غريدة على كرمة. من الداخل، تبدو القضبان الموجودة تحت الوجه، والتي يستدق ارتفاعها من المركز إلى الحواف، في مقطع عرضي كمثلثات حادة الزوايا. للأسف لا يمكن قياس أبعادها بدقة في هذه المرحلة، ولكن يبدو أنها تمثل أعمال “أنطوان النحات”.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

من المحتمل أن يكون “قندلفت” قد التزم بترميم هذه الآلة وفقاً للعمل الأصلي للصانع “النحات” وهو ما قام به بنجاح منقطع النظير. وفقاً لوصف “كريم عثمان حسن” فإن هذه الآلة تتميز بـ “صوت جهوري رائع وواضح مع باس (bass) دافئ ومدى (register) واضح ومرتفع. هذه الآلة يمكن اعتبارها رمزاً للآلات المصنوعة في إسطنبول أكثر من كونها آلة عود عربية”.

OLYMPUS DIGITAL CAMERAيتكون الظهر أو القصعة من 15 قطعة من خشب الجوز يفصل بينها شعيرات مكونة من 5 أجزاء. وتحتوي الأضلاع المركزية على التطعيم النموذجي المعروف في آلات العود الدمشقية، وهو في هذه الحالة عبارة عن شعيرات زاويّة الشكل مقصوصة ومرتبة بشكل زاويّ بحيث تشكل أشكالاً هندسية متداخلة ونجوماً سداسية من عروق اللؤلؤ والأبنوس. ولكن الأضلاع ذات أبعاد متفاوتة ويظهر أن “أنطوان” كان يعمل بسرعة على إنجاز العود. وقياساً على ما كان سائداً في وقته، يتميز هذا العود بكون القصعة عميقة (20سم) مقارنةً بالحد الأقصى للعرض الذي يبلغ (35 سم).

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

يبلغ طول رقبة العود 20 سم مع قشرة من خشب الجوز. ويلاحظ بأن عروق اللؤلؤ المستخدمة في الأعلى موجودة كذلك في المفاتيح الأصلية التي يبلغ عددها 12 مفتاحاً (مصنوعة من خشب الخوخ أو خشب المشمش). ونجد في نهاية علبة المفاتيح أو البنجق المصنوعة بإتقان قطعة شطرنجية صغيرة مصنوعة من العاج، وهو أمر كان شائعاً في آلات العود التي صنعها “النحات” في ذلك الوقت. هل يمكن أن يكون الهدف من هذا الأمر إلا جمالياً بحتاً؟. الوصلة ما بين علبة المفاتيح أو البنجق هشة وقابلة للكسر عند أقل صدمة، ومن الممكن أن تسهم القطعة المصنوعة من العاج في النهاية في التخفيف من الصدمات وقد تكون مستخدمو كوسيلة حماية، ما ساهم في الحفاظ على هذه الآلة سليمة من الأذى لمدة تصل لحوالي 100 سنة.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ويظهر الفحص بالمنظار أن القطع التي تصل بين أجزاء الآلة العلوية والسفلية قد تم تجويفها، ما يخفف من الوزن كما كان شائعاً في الآلات ذات النوعية الجيدة في ذلك الوقت. وهذا الأمر لم يعد شائعاً في الوقت الحالي لكونه يستهلك المزيد من الوقت ولكون قوة الشد التي تولدها الأوتار قد ازدادت بشكل كبير. كما يمكن ملاحظة أحد التفاصيل المهمة التي يندر أن نجد لها ذكراً، وهو استخدام نوع من الملاط أو المعجون لحماية مكان وصل الأضلاع فوق خط الغراء. وقد استخدام هذه الطريقة اعتباراً من سنة 1910 تقريباً بدلاً من القطع الورقية الطولية في آلات العود التي صنعها “النحات”، حيث من الممكن أن يكون استخدامها لتوفير الوقت أيضاً. كان ذلك يتم من خلال استخدام الغراء بشكل مباشر على الوصلات ومن ثم تغطيته بنشارة الخشب ويتم تكرار العملية عندما يجف، وهكذا حتى يتكون لدينا طبقة ثابتة. ومن الممكن أن تتم إضافة نثارة الزجاج إلى نشارة الخشب كما هو ملاحظ في بعض آلات العود التي صنعها “عبده النحات” الأخ الأكبر لأنطوان.

وبما أن هذه الآلة قد تعرضت للترميم بعد صناعتها فإن قيمتها – وقيمة الآلات المشابهة – قد تغيرت بشكل جذري. وكما عرفنا من المذكرات المنشورة ومن أعمال جامعي هذه القطع في الوقت الحالي، فإن آلات العود يكون لها قيمة أكبر فيما لو كانت مرتبطة بأحد أفراد الأسرة أو بالوطن بعد فقدانهم. ولكن بعيداً عن شبكة العلاقات التي تضم الحب والذكريات، فقد ظهرت سوق تجارية تفوقت فيها المكانة الاجتماعية على الحنين إلى الوطن. واليوم، تعد عمليات الترميم بمثابة مشاريع للاستغلال أكثر من كونها تعبر عن احترام تاريخ صناعة العود.

ومع إدراكنا لمحنة مدينة حلب في الوقت الحالي، فإن الكتابة عن هذا “العود” الذي تم ترميمه بعناية فائقة في هذه المدينة تعد عملية مثيرة للمشاعر الحزينة.

أما بالنسبة للمجموعات المحلية المعنية بالموسيقى والموسيقيين، فإن النطاق الدولي للتجارة غالباً ما يبدو متناقضاً مع المهارة الفنية فهي هدامة فقط. لكن من المهم أن نعترف بأن الدور الكريم الذي يمكن لمجتمعات الأعمال أن تلعبه في حال رغب الأفراد بوجود مثل هذا الدور. إن الرحلة التي قطعتها آلة العود هذه من سوريا إلى المملكة المتحدة – بفضل جهود جمعية كريمة – هي من أحد أسباب الحفاظ عليها ليومنا هذا.

ترجمة المقال من الإنجليزية إلي العربية : مصعب حياتلي.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

نتوجه بالشكر للسيد “سعد جادر” لمشاركتنا حماسه لآلة العود بكل كرم وحفاوة.

Save

Save

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.