العود عند ملتقى النهرين

غابرييل لافين

عادة ما يتم ربط آلة العود بالثقافات الموسيقية للشرق الأوسط، ولكن هل هي آلة إفريقية كذلك؟ وهل يمثل العود حلقة وصل ما بين العالم العربي والحضارة جنوب الصحراء؟ كانت هذه الأسئلة موضوعًا للتفكير والنقاش في مهرجان الخرطوم الثاني لموسيقا العود المنعقد في شهر فبراير 2017 على مدى ثلاثة أيام  تحت رعاية مجموعة «DAL»، وهي تجمُّع لمؤسسات صناعية سودانية خاصة. ويهدف المهرجان إلى التعريف على نطاق أوسع  بإسهامات السودان في مجال العود بحضور عازفين آخرين من العالم العربي، وكذلك من الولايات المتحدة الأمريكية التي كنت أمثلها. ومن عازفي العود المشاركين الفنان العراقي الشهير نصير شمة الذي حضر مع فرقته Global التي تضم موسيقيين من البرازيل وأوروبا وأمريكا.

Lavin Baqir Shamma Faruq
من اليمين : نانسي فاروق، أحمد حميد الشهير بشمة، غابرييل لافين، مازن الباقر

ظل السودان لفترة طويلة من تاريخه متأرجحًا ما بين الهويتين العربية والإفريقية، وهذا انقسام أيديولوجي لا يزال مفصليًّا في كل النضالات في سبيل السلام والعدالة والوحدة الوطنية. إلا أن المهرجان سعى إلى إبراز العلاقات الثقافية التي تربط السودان بإفريقيا والعالم العربي وغيرهما من خلال التركيز على دور العود، بدلًا من التشديد على الانقسامات الثقافية الداخلية الناتجة عن الواقع السياسي، كما أنه سعى إلى تشجيع الجيل الجديد من الموسيقيين السودانيين، وهو جيل لا تنقصه الحماسة، على الاستمرار في العزف على آلة العود.

وبحسب مؤرخ الموسيقا السوداني محمد سيف الدين علي، فقد عرف السودان العود لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر أثناء الحملة البريطانية-المصرية ضد الثورة المهدية في الخرطوم. لقد كان الجيش البريطاني آنذاك يضم جنودًا بريطانيين ومصريين وسوريين وأتراك، بالإضافة إلى مجموعة من الجنود السودانيين كانت تضم في صفوفها أول عازف عود سوداني، وهورجل  يدعى محمد تميم بحسب دراسة سيف الدين علي للتاريخ الشفهي والحكايات الشعبية. ومما يدعم نظرية تواجد الآلة في وسط السودان بين أوائل القرن العشرين ومنتصفه هو السن الصغيرة التي بدأ فيها بعض عازفي العود مسيراتهم، ومن هؤلاء أحمد مصطفى المولود عام 1926، وبرعي محمد دفع الله المولود عام 1927. إضافةً إلى ذلك، يمكن العودة إلى أرشيف راديو السودان، الذي افتُتحت أولى محطاته عام 1940، إذ يحتوي هذا الأرشيف على مجموعة كبيرة من التسجيلات لعازفي العود الذين نشطوا في الخرطوم آنذاك.

Barai Muhammad and Group
برعي محمد دفع الله على العود وإلى يمينه عبد العزيز محمد داوود

وعقب استقلال السودان عن مصر عام 1956، بدأت شعبية العود بالتزايد في الخرطوم والمناطق المجاورة ، ويعزو سيف الدين علي هذا التزايد إلى إنشاء مجموعة من معاهد الموسيقا في الخرطوم، وهي معاهد كانت بلا شك متأثرة بمثيلاتها في القاهرة. وفي أواخر الخمسينات، أي الفترة التي سبقت الاستقلال، قام العديد من عازفي العود السودانيين بتأليف أغانٍ تداعب الشعور الوطني.  وثَمَّة ارتباط مؤكد بين انتشار شعبية العود وسياسات التعريب التي لجأت إليها الحكومة عقب الاستقلال، في ظل الهيمنة الثقافية لمصر.  لكن هذا لا يعني أن العازفين السودانيين قاموا باستنساخ  تجربة العازفين المصريين والعرب من حيث النغمية والإيقاع، إذ يعتبر العديد من الموسيقيين أن ما يميز العزف على العود في السودان هو اعتماده  سلالم وإيقاعات سودانية حصرًا. ويُشار في هذا السياق إلى السلم الخماسي الذي يتمايز عن المقامات العربية التقليدية ويشير إلى الصلات الثقافية التي تربط السودان بعمق إفريقيا.

Arab World Map

ويصنّف الموسيقيون العرب مدارس العود من منظور جغرافي، فلكل من العراق وشمال إفريقيا وتركيا والخليج العربي والمشرق (ويضم بلاد الشام ومصر معاً) مدرسته الخاصة الفريدة بخصائصها التقنية والنغمية والإيقاعية. وبالمقابل فإن العديد من الموسيقيين والباحثين السودانيين يعتبرون السلم الخماسي الخاصية المميِّزة للمدرسة السودانية. وكما يوضح الباحث والمؤلف الموسيقي الدكتور كمال يوسف، فأن السلم الخماسي المشهور في وسط السودان تطور جنبًا إلى جنب مع التقليد الموسيقي للقرن العشرين، عندما انتقل عدد كبير من عازفي العود السودانيين إلى الخرطوم. وبعكس ما حدث في أماكن أخرى من العالم العربي حيث تمّ تكريس المقام أكاديمياً، لم يوضع السلم الخماسي السوداني في صيغة أكاديمية موحدة، وذلك رغم جهود الباحثين السودانيين الذين أشاروا إلى وجود صور مختلفة للسلم في الموسيقا الشعبية والجماهيرية لوسط السودان. يبقى السلم الخماسي مع ذلك علامة مميزة لموسيقا العود السودانية، وقد استطاع بالفعل لفت أنظار موسيقيين آخرين من العالم العربي مثل الفنان نصير شمة، مؤسس «بيت العود»، وهو معهد لتدريس الآلة له فروع في مصر والإمارات والجزائر، وقريباً في بغداد (بحسب تصريح صحفي أدلى به شمة في الخرطوم يوم 26 فبراير 2017).  ويطمح شمة إلى إقامة فرع جديد في الخرطوم بالتعاون مع «DAL» وبمساعدة سودانيين تخرجوا حديثاً من فروع أخرى لبيت العود.

Shamma

حقق شمة مكانة هامة في العالم العربي بعزفه البارع، المتأثر بتقنيات الغيتار، وشكل بيت العود  منذ تأسيسه في القاهرة عام 1997 مساحة مفتوحة للشباب من الموسيقيين، واحتضن كذلك الكثير من الموسيقيات اللاتي يرغبن في العزف على آلة العود رغم ما يتعرضن له من ضغوط اجتماعية ورفض لانخراطهن في مجال الموسيقا بشكل عام، والعزف بشكل خاص. وقد استضاف مهرجان الخرطوم العازفين السودانيين مجاهد خالد وعبده ابراهيم اللذين تخرجا حديثًا من بيت العود بالقاهرة.

مجاهد خالد وعبد إبراهيم

وكان خالد وابراهيم قد حصلا على منحة دراسية من مجموعة DAL للدراسة في بيت العود لمدة ثلاث سنوات، وذلك بعد فوزهما في مسابقة ضمن فعاليات مهرجان الخرطوم الأول في فبراير عام  2013. وحازت على نفس المنحة العازفة أريزة الأمين بعد فوزها في المسابقة، إلا أنها للأسف لم تستطع المشاركة في مهرجان 2017. وقد عزف خريجو بيت العود في المهرجان معزوفات تبرز فيها خصائص السلم الخماسي الذي تتميز به موسيقا العود السودانية، مستخدمين في نفس الوقت تقنيات العزف التي اشتهر بها نصير شمة  ويتميز بها العزف المنفرد في المدرسة العراقية. وقال مجاهد خالد متوجهاً إلى الجمهور إن الدراسة في القاهرة كانت بمثابة برنامج للتبادل الثقافي، إذ لم يكن يعرف الكثير عن المقامات العربية، فقد بقي معظم عزفه إلى ذلك الحين مقتصراً على موسيقا السلم الخماسي التي نشأ عليها.

Mujahid Khalid 3.jpg

لكنه مع الوقت أصبح خبيرًا بالمقامات، وفي المقابل وجد اهتمامًا من زملائه المصريين بالموسيقا السودانية والسلم الخماسي. واستضاف المهرجان أيضاً  خريجي بيت العود السودانيين أشرف عوض ومازن الباقر، اللذين يجمعان ما بين أساليب العزف السودانية وأساليب أخرى مختلفة في عزفهما وتدرسيهما للعود.

مازن الباقر وأشرف عوض

لقد بدت تجربة بيت العود طاغية بوضوح على المهرجان بفعل مشاركة نصير شمة وتلامذته،  لكن ذلك لم يمنع المنظمين من أن يفوا حقّ الأجيال الأقدم من الموسيقيين، وعازفي العود ذوي الأساليب الفريدة الواقعين خارج دائرة تأثير شمة، ومن هؤلاء مجاهد عمر وعلي زين وعوض أحمودي.

يتميز أسلوب علي زين، وهو أستاذ موسيقا ومدرس عود، بتأثره بتقنيات الغيتار،  إذ يعتمد لدى العزف في الأوكتافات الأعلى بعض وضعيات الأصابع المستوحاة من عزف الغيتار، مثبتًا يده أدنى رقبة العود (لوحة الأصابع) قرب الصندوق.

وربما كان عوض أحمودي كذلك من أهم زوار المهرجان بعد نصير شمة، وقد طور أحمودي، وهو عازف كفيف، أسلوبه الخاص في الإمساك بالريشة، إذ أنه يمسك بها  بين السبابة والوسطى والإبهام  كما لو كانت قلمًا وينقر الأوتار كأنه ينقر بالسن.

ورغم كون عوض أحمودي مغنياً، إلا أنه يشتهر بعزفه ألحان الأغاني السودانية المعروفة دون كلمات، بالإضافة طبعًا إلى أعماله الخاصة، وقد أدى تركيزه على موسيقا الآلة إلى أن ينظر كثيرين إليه على أنه مصدر للإلهام ربما يؤدي إلى تبلور مدرسة سودانية للعزف على العود. 

Awad Ahmudi

قدم المهرجان كذلك بين العروض وخلال الاستراحات مقطوعات عُزفت على آلات سودانية تراثية مثل الطنبورة، وهي آلة شبيهة بالقيثارة (الهارب). 

Traditional Musicians Sudan 2.jpg

كان عازفو هذه المقطوعات من أعضاء مركز الموسيقا التقليدية السودانية، وهو مؤسسة تنظم العروض والحفلات ولها متحف للآلات الموسيقية في أم درمان، وتقدم إضافةً إلى ذلك دروسًا عن الآلات السودانية باستخدام الطرق التقليدية في التدريس الشفهي. وقد زُرتُ المركز مع أشرف عوض والدكتور كمال يوسف قبل مغادرتي الخرطوم بساعات.

Sudan Traditional Music Center
من اليسار : دفع الله حاج علي، أشرف عوض وكمال يوسف

كان مدير المركز دفع الله حاج علي يفرغ بمساعدة بعض الرجال شاحنة مليئة بالآلات الموسيقية العائدة للتو من مسرح أم درمان. وكان من ضمن هذه الآلات مجموعة منوعة من الطبول وآلات النفخ والوتريات، إضافة إلى أنواع مختلفة من آلات العود والكمان، في صورة واضحة للتنوع الثقافي الهائل في السودان.

اصطحبنا دفع الله في جولة على المركز شاهدنا خلالها عدداً أكبر من الآلات، وقال لي كمال يوسف أن من الممكن اعتبار العود آلة موسيقية سودانية تقليدية. ونظراً إلى الانتشار الكبير لآلات مثل الطنبورة ( وهي أرخص من حيث كلفة التصنيع،  كما أن صيانتها أسهل من صيانة العود)، يُعتبر العود آلة قيمة حقًّا في السودان. توقفنا قبل زيارة المركز عند بيت المغني والمؤلف وعازف العود الشهير، الفنان أبو عركي البخيت، الذي عزف لنا بعض أغانيه الجديدة وعرض أسلوبه المميز في العزف، فبدل استخدام الريشة، ينقر البخيت الأوتار بإبهامه ويستخدم تقنيات العزف بالأصابع. يقول أبو عركي إنه يفضل الصوت الناعم والدافئ الصادر عن نقر الوتر بالإصبع مباشرة. وتتميز كلمات معظم أغانيه بطابع سياسي، إذ يتحدث فيها عن المصاعب التي يواجهها كثير من السودانيين بسبب تدهور البنية التحتية والحرب والنزوح، وتحمل أغنياته طموحًا إلى السلام والوحدة في وطن تمزقه الهويات السياسية المتصارعة. يمكن الاستماع إلى أعماله هنا وهنا.

تقع الخرطوم عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض المتدفقين من أوغندا وإثيوبيا، وبذلك تشكل والمناطق المجاورة مفترق طرق حضارياً وثقافياً، ولعل هذا من بين الأسباب التي عانى لأجلها السودان صراعًا عنيفًا على الهوية منذ الاستقلال، الأمر الذي أدى بموسيقيين مثل أبي عركي إلى خلق أساليبهم الموسيقية الخاصة. في الوقت نفسه، ربما تكون هجرة العود إلى السودان برهاناً على أن نقاط التقاء الثقافات المختلفة ليست بالضرورة ساحات للنزاع، حتى في المناطق المأزومة، بل على العكس من ذلك، يبدو أن عوالم العود المتداخلة التي رأيناها في مهرجان الخرطوم  هي نقطة للتفاعل والإبداع، تؤسس نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات المستقبلية بين إفريقيا والدول العربية والعالم.

الصور : 

صورة برعي محمد دفع الله وعبد العزيز محمد لصلاح شايب 

صور نصير شمة، مجاهد خالد، عبده إبراهيم، مازن باقر وعوض أحمودي : إسلام عبد العزيز

 

 

المصادر

Ali, Muhammad Saif al-Din. 2010. Styles of Lute Playing in Sudan (Burai Muhammad Dafallah as a Case Study). MA Thesis. Sudan University of Science and Technology, Khartoum.

Kamal, Yousef Ali. Tonal System of Central Sudan: Analytical and Comparative Studies, Doctoral Thesis. Sudan University of Science and Technology, Khartoum.

Kuka, Hajooj. 2014. Beats of the Antonov. Refugee Club and Big World Cinema. 68 minutes.

Sharkey, Heather J. 2008. “Arab Identity and Ideology in Sudan: The Politics of Language, Ethnicity, and Race.” In African Affairs Vol. 107 (426), p. 21-43.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.