من الهند إلى الكويت

بقلم أحمد الصالحي

في وقت ما في منتصف القرن التاسع عشر، وصل عود إلى الكويت من الهند وأصبح الآلة الرئيسية في تقديم موسيقى الصوت في كل من الكويت والبحرين. في مرحلة الثلاثينيات، اختفى تمامًا ليحل محله آلة العود المعروفة والقادمة من الدول العربية، سواء سوريا أو العراق أو حتى مصر. إلا ان العود الهندي، كما تمت تسميته، يترك عددًا من الآثار المميزة ويتيح لنا التفكير في آلات العود وراء حدود الإمبراطورية العثمانية وخارج المنطقة العربية ككل.

ووفقا لأحمد البشر الرومي (ت. 1982)، فإن أول شخص أحضر العود الهندي إلى الكويت كان عبد الله الفرج (ت. 1901). فقد درس ومارس الموسيقى في الهند وكانت عودته بعد بضعة سنوات من وفاة أبيه في عام 1854. لذا، من المحتمل أن العود وصل قبل 1860 بفترة قصيرة. وعلى الرغم من أن المصادر الكويتية والبحرينية تشير إلى هذه الآلة دائما باسم العود الهندي، إلا أن محمد زويد (ت. 1982) استخدم مصطلحين إضافيين لوصف العود، وهما العود البمباوي، في إشارة إلى مدينة بومباي الهندية (التي تسمى اليوم “مومباي”)، وعود أبو رقمة والذي يقصد به العود الجلدي نسبة إلى وجه العود.

وفقا لأوصاف الموسيقيين والمحللين، يبدو أن العود الهندي كان مختلفا إلى حد ما عن العود المعروف على نطاق واسع في الوقت الراهن، وهو ما أشير إليه هنا باسم “العود العربي”. ويصف معظم الموسيقيين والرواة العود الهندي بأنه أصغر حجما وأن شكل القصعة (صندوق العود) أو الطاسة دائري. كما أن رقبة العود الهندي أطول من تلك الموجودة في العود العربي، حتى أن محمود الكويتي (ت. 1982) وصفه بأنه شبيه بالملاس، وهو نوع من أنواع مغارف الأكل وهي دائرية ولها ذراع طويل. ينحت العود الهندي من قطعة واحد كبيرة من خشب الساج الهندي لتصبح جميع أجزاء العود مصنوعة من قطعة واحدة وهي القصعة والرقبة والبنجق (بيت مفاتيح العود). وبعد تفريغ قصعة العود من الخشب يتم تغطيته برقمة (جلد) سميكة لتقوم مقام السطحة (وجه العود)، ويفتح في الجلد فتحة صغيرة لتقوم مقام الشمسية. ويتم صنع سبعة فتحات في بنجق العود لتركيب الملاوي (المفاتيح)، وتربط الأوتار بالمفاتيح هذه من جهة وفي الجهة الأخرى تربط في طرف العود، أي في نهاية قصعة العود. وترفع الأوتار باستخدام خشبة صغيرة تسمى غزالة.

قدم محمد زويد في لقاء تلفزيوني الرسم الوحيد للعود الهندي وذلك عام 1976.

Muḥammad Zuwayid interview

يحتوي العود الهندي على أربع أوتار, ثلاثة مزدوجة وواحدة فردية. وكل وتر فيهم له اسم أو مصطلح محلي محدد وهم الشرار (دو – سي), والمثاني (صول – جي), والمثالث (ري – دي) واليتيم (لا – إي) وقد سمي الوتر بهذا الاسم لأنه مفرد دائما. في هذا الصدد، يعتبر يوسف دوخي (ت. 1990) الباحث الوحيد الذي ذكر بأن الوتر الرابع يسمى البام وليس اليتيم، وقد يكون قد استلهم هذا الاسم من أوتار العود في زمن الخلافة العباسية. كذلك يشير دوخي إلى أن الوتر الخامس يسمى الراخي، ويبدو بأن المصطلح هذا شاع بعد انتشار العود العربي في الخليج لأن العود الهندي يحتوي على أربعة أوتار فقط.

يتضمن العود الهندي العديد من الخصائص التي تجعله آلة تتشابه مع القنبوس، وهو العود القديم المعروف اليوم في اليمن وكان منتشرا قديما في مناطق أخرى من شبه الجزيرة العربية. فكلا الآلتين تنحتان من قطعة واحدة من الخشب والسطحة تصنع من الجلد، وأما عدد الأوتار فهو أربع في كلا العودين.

AlSalhi qambus sketch

لكن ما يميز العود الهندي عن القبنوس بوضوح هو الشكل الدائري للقصعة، في حين أنه كمثري الشكل في القنبوس.

AlSalhi oud hindi sketch

تشير المصادر إلى أن الكثير من الموسيقيين المهمين في الكويت والبحرين مارسوا العزف على العود الهندي ومنهم عبدالله الفرج ويوسف البكر (ت. 1955) من الكويت، ومحمد فارس (ت. 1947) من البحرين. وقد أطلق البكر اسم بطلوس على عوده الهندي، في حين أطلق فارس اسم باشة مصر على عوده الذي جاءه هدية من عمه الشيخ جابر آل خليفة. ويلاحظ بأن جميع من ذكر بأنه يعزف على العود الهندي هم أيضا مطربين متخصصين بغناء الصوت، لذلك من الممكن القول أن العود الهندي كان مخصصا لعزف موسيقى الصوت.

يبدو لي بأن صوت العود الهندي كان يشوبه العديد من العيوب مما يجعله غير ملائم لعزف موسيقى الصوت. فقد كان تردد صوت العود منخفضا بسبب صغر حجم صندوق العود (الطاسة)، وهذا يعني بأن صوته كان غير متوافق مع قوة صوت المرواس، الآلة الإيقاعية المستخدمة في أداء الصوت. لذلك قام خالد البكر (ت. 1925) بصناعة عود مطور شبيه بالعود الهندي وذلك في أوائل تسعينات القرن التاسع عشر في الكويت، وذلك عبر تكبير حجم الطاسة وزيادة عمقها بما يجعله يقترب من حجم العود العربي. وهناك مشكلة أخرى وهي مسألة ضبط أوتار العود (الدوزان)، فقد كانت سطحة العود من الجلد الذي يتقلص بالحرارة ويتمدد بالرطوبة، مما يؤثر كثيرا على دقة ضبط الأوتار.

كان العود الهندي منتشرا بين الكويتيين نظرا لأنه رخيص السعر ومتوفر في الأسواق. فحتى عقد الخمسينات من القرن العشرين، كانت الحياة التجارية في الكويت تعتمد كثيرا على السفن التجارية التي كانت تذهب باستمرار إلى الموانئ الهندية، وكان هناك العشرات من المنطقة يسافرون للهند كل يوم. لذلك كان من السهل على أي بحار أو تاجر أن يجد العود الهندي ويشتريه من إحدى موانئ الهند. على أية حال، في عشرينيات القرن العشرين، بدأت شعبية العود الهندي بالانحسار شيئا فشيئا بين فناني الكويت حتى اختفى في الثلاثينات بعد ستة عقود من الاستخدام في الكويت. وكان آخر من عزف على العود الهندي يوسف البكر وعلي التميمي.

في متحف متروبوليتان في نيويورك، توجد آلة موسيقية تتطابق مع وصف الموسيقيين والرواة للعود الهندي وقد تم الإشارة للآلة بأن اسمها هو الكويترة وأنها جلبت من الزنجبار في أواخر القرن التاسع عشر.

Zanzibar oud

تم تعريب المقال من الإنجليزية بواسطة الكاتب.

المصادر:

دوخي، يوسف فرحان (1984) الأغاني الكويتية. قطر: مطبعة الأهلية.
دوخي، يوسف فرحان (1971) فصول من بحث عن عبدالله الفرج. غير منشور.
علي، أحمد (1980) الموسيقى والغناء في الكويت. الكويت: مطبعة الربيعان.
زويد، محمد (تقريبا 1976) لقاء مع الفنان محمد زويد. مقابلة تلفزيونية: تلفزيون الكويت.
فارمر، هنري جورج (2005) دراسات في الموسيقى الشرقية (الجزء الأول). القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.
البكر، إبراهيم (الستينات) صفحات من تاريخ الكويت. لقاء تلفزيوني: تلفزيون الكويت.
الغريب، صالح (2003) محمود الكويتي: عاشق العود والنغم. الكويت.
أولسن، بأول روفسينغ (2005) الموسيقى في البحرين. 1. بيروت: مطبعة الرشاد.
العماري، مبارك عمرو (1991) محمد بن فارس: أشهر من غنى الصوت في الخليج. البحرين: مطبعة الحكومة.

Lambert, Jean (2014) the Poetic and Musical Sources of the Sawt between Yemen
and Gulf. 1 st Symposium in Doha, Qatar Music Academy. Qatar.
“Quwaytara | Tanzanian | The Met.” The Metropolitan Museum of Art, I.e. the Met
Museum. Web. 15 Apr. 2016.
<http://www.metmuseum.org/art/collection/search/502222>.
Lambert, Jean (2002) La Medecine De L’ame. Yemen. Al-Hay’a al-‘Ammah li al-Kitāb.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *