جوهرة من دمشق، 1897

كريم عثمان حسن

 

هذا العود هو الوحيد لغاية الآن المعروف بكونه عود دمشقي الصنع على يد عائلة “قضماني” الشهيرة بصناعة العود. وقد عثر عليه المالك السابق في التسعينات في محل للتحف في جزيرة (سايلت Sylt) الشهيرة في شمال ألمانيا. وهو موجود حالياً ضمن مجموعة خاصة.

صانع هذا العود هو الفنان الموهوب (سليم أفندي Udi Selim Effendi) (أو ساملي سليم Şamli Selim) الأخ الأكبر لكل من توفيق واسكندر قضماني. وحسب ما أورده (نظمي أوزلاب Nazmi Özalp) فإن سليم أفندي (المعروف أيضاً باسم حاليبلي سليم، سليم قضماني Halepli Selim, Selim Kutmani) ولد في الأساس في يافا وانتقل لاحقاً إلى دمشق وبعدها إلى حلب.

كان يعمل في الأصل مدرساً للعود في (إزمير) ولكنه افتتح ورشة لصناعة العود وداراً للنشر وكتب الموسيقى في (اسطنبول) في شارع بيروكار ” Perukâr Street” حيث قام بالتدريس هناك مع “داود أفندي Kuzgunulu David Effendi ” منذ 1902، حيث لم يقم بالتدريس السماعي “meshk” فقط بل كان يدرس – حسب الطلب – العود والقانون حسب ما يسمى “الطريقة الحديثة” للمعلم حافظ محمد باي. كان من المساهمين المعروفين في المشهد الموسيقي في إسطنبول.

Udi Saml Selim.jpg

لم يكن عمر سليم بالكاد قد تجاوز العشرين عاماً عندما قام بصناعة هذه الآلة. وعلى الرغم من بساطة الصناعة، إلا أنه بإمكان المرء أن يدرك من خلال العديد من التفاصيل بأن هذا الشاب كان متقناً لصنعته ويعلم تماماً كيفية القيام بهذا الأمر بشكل مستقل وبطريقة فنية موهوبة.

ويبلغ أقصى عرض للآلة 34 سم، ما يجعلها ضيقة نسبياً. ويبلغ أقصى عمق لها 18 سم، أي أعمق بـ 2 سم من الأبعاد المعتادة لموديل عود “الكندي” (والذي يكون عادةً نصف أقصى عرض للصدر). غير أن هذا العمق الإضافي يعد شيئاً مألوفاً ومتعارفاً عليه في آلات العود السورية.

selim qudmany 1897 damascus.jpg

وتمت صناعة الصدر من ثلاث قطع من خشب التنوب (على الأرجح التنوب الشرقي) وهو نوع لا يتميز بالنعومة. ويحيط به حزام أو رباط من خشب الجوز يربطه بالظهر/القصعة.

وتتخذ الرقمة صدر الشكل المألوف لآلات العود السورية في بداياتها والتي تم استخدامها كذلك في القطع التالية. وصُنعت القمرة  من خشب الورد، مع زخارف داخلية من عظام الحيوانات. كما تم تركيب قمرات صغيرة على فتحات الصوت حيث تم تثبيتها بالغراء من الداخل.

selim-face-detail-1897-damascus.jpgومن الأمور التي يندر رؤيتها وجود الفرس صغيرة الحجم نسبياً والتي يمكن ملاحظتها من نظرة قريبة عن كثب. ويمكن للمرء ملاحظة أن الآلة كانت تستخدم بشكل متكرر، ما أدى للأسف إلى فقدان جزء من الصدر فوق الرقمة. يلاحظ هذا الأمر عادةً في آلات العود القديمة، وقد أدى إلى زيادة حجم الرقمة، وهو ما أدى بلا شك إلى تخفيض جودة الصوت بسبب فقدان مساحة مهمة من الرنين بسبب ذلك.

يتكون الظهر أو القصعة من 15 ضلعاً مصنوعة بالتناوب من خشب الجوز والسرو. وتعد أنواع الخشب هذه – والتي كانت تستخدم لصناعة الأثاث في أواخر القرن التاسع عشر – مثالية لصناعة آلات العود. يتميز خشب السرو بأنه خفيف وليّن وينثني بسهولة، ما يجعله يتوازن مع خشب الجوز الهش والأقسى والأثقل. وكما تدل آلات العود الكثيرة التي صمدت على مر الزمن، فإن هذا المزج بين هذين النوعين من الخشب يساعد في صنع صدر خفيف وقوي في الوقت نفسه.

selim qudmany 1897 back.jpgولا يحمل الوجه الامامي لزند العود أي زخارف، مع أنه في الغالب ما ينتهي بزينة إضافية في النهاية تعرف باسم (اللوزة). وما زالت علبة المفاتيح أو البنجق المنحنية تضم 11 من أصل 12 من المفاتيح الأصلية المصنوعة من خشب المشمش وتتميز بأن شكلها ومواد صناعتها هي نفسها المشهورة في آلات العود الدمشقية.ويبلغ طول الوتر ما بين الفرس و الأنف المصنوع من العظم 60 سم.

selim neck luza 1897 damascus.JPGمن الداخل، تبدو الآلة مثل معظم الآلات القديمة المصنوعة في دمشق. القطع العلوية والسفلية مصنوعة من خشب الصنوبر وهي مجوفة لتخفيف الوزن. ويمكن ملاحظة الوتد المستخدم لوصل زند العود مع الكتلة العلوية من الآلة. وتتميز الدعامات المستخدمة لدعم الصدر بكونها، مثل بقية الأجزاء الداخلية، مصنوعة بحرفية عالية.

تتميز هذه الآلة التي يعود عمرها إلى 120 سنة بأنها ما زالت صالحة للعزف وتصدر صوتاً رناناً ودافئاً بشكل استثنائي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.